الحرية الدينية أولا

Nabila من: نبيلة سعدون

091007-zawaya-pic

لا يسعنا مناقشة مسألة الحريات الدينية للأفراد والأقليات في المجتمعات المغاربية دون معالجة الجانب “التقني” للمشكلة، مع إخفاء الجانب السياسي. لذا، فإن السؤال الحقيقي هو: هل تتوفر هذه البلدان، أو بالأحرى قادتها، على الإرادة اللازمة لضمان الحريات الدينية؟

لإجابة على هذا السؤال، ربما يتعين علينا إعادة بناء تاريخ المواقف السياسية لأنظمة البلدان المغاربية تجاه الحريات الدينية. فقد جعلت النخب المغاربية الإسلام أساس هويتها الوطنية خلال كفاحها من أجل الاستقلال، كوجه من أوجه المعارضة للمسيحية التي ترمز للمستعمر.

ولكي يلعب الدين دورا في التعبئة للكفاح ـ وبالتالي تحويل النضال من أجل التحرر إلى صراع بين اعتقاد مضطهَد واعتقاد مضطهِد ـ كان يجب إدماج الشعارات الإسلامية في خطابها. فالجهاد مصطلح يستخدم للإشارة إلى حرب الاستقلال في الجزائر! ولقد كان مرسوم كريميو الذي يمنح لليهود في الجزائر الجنسية الفرنسية قد ساهم في هذه الحركة الايديولوجية المبنية على اللغة العربية والدين الإسلامي اللذان يعتبران معطيين أساسيين مكونين للمجتمع الجزائري.

ولقد كان هذا الخطاب الاستعماري يضع “الفرنسيين” الجزائريين في مواجهة ضد “المسلمين” الجزائريين، لتجنب مواجهة الفرنسيين…والجزائريين.

ولعل الشيء نفسه ينطبق على المغرب وتونس، على الرغم من أن الدور الحصري للإسلام لم يكن لافتا بالدرجة نفسها مقارنة بالجزائر، لأن كفاح الاستقلال في البلدين لم يضع الأديان في مواجهة بنفس الطريقة. فلقد تعايشت الديانة اليهودية مع الإسلام في كل من المغرب وتونس دون أدنى تلميح إلى المعارضة. ففي المغرب، يعد الملك أمير “المؤمنين” …أي المسلمين، دون الإشارة إلى أديان أخرى. وفي تونس، سارع بورقيبة إلى ضمان الحرية الدينية وغيرها من الحريات للتونسيين والأقليات، لتبقى السياسة وحدها تحت قبضته.

إن تسرب الفكر الإسلاموي إلى بلاد المغرب الكبير وجد إسلاما مهيمنا في المنطقة، حيث أصبح دين الدولة و المرجع النهائي للخطاب السياسي.

ولقد استطاع التعصب الديني الذي يميز الفكر الإسلاموي أن يجد حججا تاريخية وعاطفية لجعل المعتقدات الأخرى في منصب “العدو” (إسرائيل بالنسبة للديانة اليهودية، والحروب الصليبية والاستعمار بالنسبة للديانة المسيحية).

وفي ظل نظام تعدد الأحزاب، تمكن الخطاب الأصولي بسهولة من أن يجعل من المطالبة بالعلمانية موقفا مناهضا للإسلام. وفي هذا السياق من الهيمنة السياسية والدينية، حاولت البلدان الخائفة الاستيلاء على الخطاب الأصولي بطريقة انتهازية.

لم يؤثر التعصب قط على المنطقة بهذه الحدة. وإذا لم تكن هناك وسيلة لضمان الحريات الدينية بطريقة أفضل في منطقة المغرب الكبير، فهذا يرجع لكون الدول لا تملك الشجاعة والإرادة اللازمتين للقيام بذلك. خصوصا الجزائر. والأمر أقل حدة في المغرب وتونس اللذان يعتبران اقتصادات مضيفة ولا يستطيعان أن يكونا غير مباليين بمخاطر التعصب.

تعليقاتك

comments

مجهول من حوال سنوات2 أزيد من تقريباً

مرحبا سيدة سعدون. أنا أقرأ دائما مقالاتك بسرور بالغ، وخاصة تلك التي تتناول مواضيع حساسة من هذا القبيل. أشكرك على جهودك المثابرة، بارك الله فيك. نعيم

comments

مجهول من حوال سنوات2 أزيد من تقريباً

عبارة تسلل حكم قيمة لا يجدر بمن يناقش حالة موضوعية ان يستعملها لانه يوسم نفسه بالتعصب من حيث لا يدري وهو ما يشي به المقال كله للاسف..الحريات الدينية واللغوية والسياسية بنية واحدة لا ينفك بعضها عن بعض ومن يرم ذالك فهو يخدم اجندة ما..فالاصولية تعبير سياسي اذا لم يجد الفضاء الحر حتما سيعبر عن نفسه باشكال نكرهها ولا شك ولكنها حصيلة رؤانا وممارساتنا..فاوروبا او امريكا كدول عانت الويلات من اجل اقرار الحقوق المدنية البديهية لم تمنع اي تعبير سياسي او مدني الا بالقانون الذي اسهم الجميع في تاسيسه وعبر مشروعية اجتماعية بادوات ديمقراطية حقيقية او نسبية وهو ما لا يوجد في مجتمعاتنا وتفتقر اليه خصوصا بعد سيطرة العائلات والنخب الفكرية المسماة علمانية او حداثية او حتى اسر فقهية وجدت نفسها عبر الاستعمار وكيل حقيقي لها..
اعتقد ان الحرية اقدس من اي دين..لان اساس الدين الحق هو الحرية ذاتها..واي طقوس كيف كانت وباي مبرر تنتقص من الحريات فهي حتما شكل من اشكال القمع والاستبداد..وهذا ما يجب التركيز عليه وايله العناية والتفكير..لا ان نعيد ونكرر في ادبيات اكل عليها الدهر وشرب عبر تقسيم المجتمعات الى فرق من نسيج تفكيرنا لا من الواقع الحي الذي يمور حولنا..
ان مجتمعا يعاني من الفقر والبطالة واحتكار السلط وتهميش فعاليات المجتمع..وتتسلط عليه نخب من خارج نسيجه الاجتماعي والفكري والهمومي طبيعي جدا ان يفرز قوى تعبر بشكل متشدد او عنفي او اصولي عن رفضه وهي حقيقة عاشتها كل المجتمعات بلا استثناء…وشجبنا لهذا الامر اوالقدح فيه لا يغير من الحقيقة شيئا…واطلالة على المجتمع العالمي يعطينا الدليل الحي..فتركيا مثلا لا يمكن ان يتمظهر فيها بشكل رئيسب حركة مثل الطالبان وبالعكس افغانستان لا يمكن ان تفرز حزبا كالعدالة والتنمية الا اذا تغيرت الشروط الاجنماعية والتاريخية وهي شروط بطيئة التغير…

بإمكانك نشر تعليقك فورا! تسجيل

1800 ‎حرفا متبقيا (أقصاها 1800 حرف)

المرجو إدخال الأرقام
Button

آراء أخرى

أنباء من مغاربية