من: مونيا فرجاني

إنّه من الطبيعيّ أن تخفّض الحكومة التونسيّة في سنّ الاقتراع من 20 إلى 18 سنة و يبدو هذا في نظري إدراكا عميقا منها لمقتضيات المرحلة فالمجتمع التونسي يتميّز على عدّة مجتمعات مجاورة بهرم سكّانيّ للشّباب فيه نصيب الأسد إذ تثبت الإحصاءات السكّانيّة لسنة 2008 أنّ الفئة العمريّة المتراوحة بين 15 و 64 سنة تمثّل 69،7 بالمائة من مجموع سكّان البلاد في حين يمثّل السكان ممّن هم دون 15 سنة 23،93 بالمائة أمّا من يتجاوزون 65 سنة فلا يمثّلون سوى 7 بالمائة. و كما نرى فإنّ الأرقام تبيّن أنّ للشّباب حضورا لا يُستهان به.
هذا الشباب صار اليوم يعيش الثورة المعلوماتيّة و يواكبها في أدقّ تفاصيلها الرقميّة بل و يتقن استخدام تكنلوجيّات الاتّصال بصورة لم يعد بالإمكان معها إقصاؤه أو تغييبه.
أمّا عن مدى تأثير تخفيض سنّ الاقتراع على الانتخابات الرّئاسيّة و التشريعيّة المقبلة أكتوبر 2009 فتلك مسألة أخرى لن تتوضّح إلاّ إذا أثرنا سؤالين على غاية من الأهميّة و الحيويّة.
السّؤال الأوّل: من هو الشّباب المُستَهدَف بهذا التخفيض؟ هل هو الشّباب الدّستوري المُؤطَّر و المُهيَّئ للانتخابات وفق خيارات حزبه و توجيهاته أم هو الشّباب المعارض و الرّافض لواقع البلاد سياسةً و اقتصادًا و أوضاعًا اجتماعيّة أم هو الشّباب التونسي في صورة أشمل؟ هل هو الشّباب المثقّف أم متوسّط التعليم أم المنقطع عن الدّراسة؟ هل هو الشّباب القانع الرّاضي بوضعه أم هو السّاعي وراء الهجرة من البلاد بكلّ الطرق شرعيّة كانت أو غير شرعيّة؟ هل هو الشّباب العامل أم العاطل ؟
إن كان الشّبابُ الدّستوري هو المُستهدَف بهذا التخفيض لضمان إقبال أكثر كثافة على التصويت فالحكومة هنا قد أسقطت من اعتبارها الشّباب المعارض حتّى و إن لم ينتم إلى حزب معارض بعينه و هذه الفئة يمكنها أن تحدث المفاجأة و ترجّح الكفّة في اتّجاه نتائج لا تنتظرها الحكومة من وراء قانون تخفيض سنّ الاقتراع.
أمّا السؤال الثاني فهو: هل هذا الإجراء القانوني المتمثّل في تخفيض سنّ الاقتراع جاء استجابة إلى مطلب شبابيّ شعبيّ عريض أم كان قانونًا مُسقَطًا دون مُطالبَة؟
فإن كان استجابة لمطلب شعبيّ فالبلاد م تشهد تحرّكًا شبابيًّا من هذا القبيل و في هذا الاتّجاه، لعلّها كانت توصيَة ضمن إحدى اللّجان المتفرّعة عن ندوة من ندوات الحزب الحاكم و في هذه الحال فإنّ المقترح لا يمثّل رغبة كافّة شباب تونس.
و إن كان قانونًا مُسقَطًا دون مُطالبَة صار إجراءً وقائيًّا لمواجهة قلّة الإقبال على الاقتراع الأمر الذي تعاني منه جلّ حكومات العالم الثالث خصوصا تلك التي لا تغيير في مشهدها السّياسي، و التاريخ أثبت أنّ القوانين المُهداة لا تقابل بالترحيب غالبا كتلك التي تأتي نتيجة نضال مرير.
و في مُطلق الأحوال لستُ أنتظر تأثيرا مباشرا و كبيرا لهذا التخفيض على الانتخابات المقبلة ناهيك أنّ السنّ المتراوحة بين الثامنة عشر و العشرين هي سنّ الشباب التلمذي الذي لم يتجاوز بعدُ المرحلة الثانويّة أو يكاد و يعلم الجميع ما تتميّز به هذه الفترة من العمر من رفض لكلّ سلطة و لكلّ مؤسّسة رسميّة و بناءً عليه فلا أعتقد انّ التخفيض في سنّ الاقتراع سيغيّر شيئا كثيرا و لن يؤثّر على الانتخابات الرّئاسيّة و التشريعيّة المقبلة أكتوبر 2009.
تعليقاتك
commentsمجهول من حوال سنوات2 أزيد من تقريباً
أنا أتفق معك على أن هذا القانون لم يأت استجابة لمطلب شعبي. فالشعب التونسي لا يرغب حتى في الانتخابات، لأنه مقتنع بأنها مهزلة وخداع. كما أن نتائج الانتخابات هي من قبيل تحصيل الحاصل: فالرئيس بجلالة قدره قد أقر مسبقا عدد المقاعد التي سوف تعطى للكراكيز التي سماها "المعارضة"، قبل حلول الانتخابات.
وسوف يتم تشكيل الأغلبية من قبل كراكيز أخرى من التجمع الدستوري الديمقراطي الذي يصفق للرئيس في كل مرة ينتهك فيها الدستور أو يدوس فيها على الديمقراطية بحذاءه العسكري. كما أنني أتفق معك على أن خفض سن الاقتراع لن يكون له أي تأثير على “الانتخابات”. فقيمتها قد انخفضت وسوف تمكن مهندس التغيير من تحقيق الأغلبية وجعل ستالين وبريجنيف يتقلبان في قبرهما غيرة وحسدا. في حين أن صدام حسين لن يتأثر لأنه كان قد حقق %100.
ويتمنى مهندسنا أن يحقق نفس الإنجاز، ولكن يجب عليه السيطرة على جشعه من أجل تجنب التشاجر مع حماته الغربيين. ففي انتخابات 2004، قام الرئيس بخفض (هذه الكلمة على الموضة) نسبة شعبيته من 99.1% الى 94.49%، بغرض جذب انتباه بوش إلى ميوله الديمقراطية. فبوش كان قد دعاه إلى وجبة فطور على شرفه بالبيت الأبيض، وطلب منه في مؤتمر صحفي بهذه المناسبة تخفيف قبضته على البلاد من أجل السماح لأصوات المعارضة والصحافة بأن تسمع. ولإرضاء بوش، قام زين العابدين بن علي بخفض شعبيته بما يقرب 5%. فيا ترى، ما هي النسبة التي سينقص بها شعبيته من أجل إرضاء أوباما كذلك؟ من الممكن أن يكون أكثر ابتكارا هذه المرة بمنح حق التصويت للرضع، دون أن يغفل تصويت الأموات كذلك.
بلاغ إساءة