من: محمود بلحيمر

ينبغي أن نلاحظ بداية أن الانتخابات، التي يفترض أن تكون وسيلة للتغيير السلمي، أصبحت وسيلة لتثبيت الوضع القائم. فوظيفتها لا تتعدى تزكية الهيمنة الدائمة للنخب الحاكمة على السلطة، وبالتالي حرمان الشرائح الواسعة من المجتمع من حق المشاركة الفعلية في تسيير الشأن العام والانخراط في الحياة السياسية. هذا الوصف ينطبق على جميع الأنظمة العربية التي تجرى بها الانتخابات.
أسهل طريق لبناء عملية ديمقراطية سليمة في المنطقة يبدأ باقتناع النخب الحاكمة بأن استعمال الانتخابات كأداة للإبقاء على واجهة ديمقراطية مصطنعة هي عملية تنطوي على مخاطر كبيرة على الاستقرار الوطني. فتوفر إرادة سياسية لدى النخب الحاكمة للمضي في مسار التغيير العميق لأنظمة الحكم سيؤدي إلى اختصار الطريق نحو التغيير. وهذا يتطلب إنهاء الاحتكار السياسي والإعلامي وأسلوب التحكم الفوقي في الحياة السياسية وفي المجتمع المدني. فلقد ظلت السلطة في الدول الأربع تشكل المصدر الوحيد للإصلاحات، تديرها كيفما شاءت، مغيبة بذلك المجتمع. كما ينبغي أساسا أن يكف العسكر عن التدخل في الحياة السياسية ومراقبتها.
قد يقول قائل: كيف نطلب ممن بيده السلطة الالتزام بقواعد شفافة تفقده إياها؟ لكن ما نقصده هو التخلي عن أدوات النظام التسلطي كالتعديلات الدستورية على المقاس وقمع المعارضة والضغط على أصحاب الرأي المخالف. إن المطلوب هو الالتزام بالدستور وبالديمقراطية كنظام حكم يضمن حقوق ومصالح جميع المواطنين.
من جانب آخر، تتباهى أنظمة المنطقة بقدرتها على تنظيم “انتخابات ناجحة”، أي الاقتراع كعملية تقنية تنظم كل 4 أو 5 سنوات، من دون أمل في التغيير. لكن الانتخابات هي عبارة عن مسار سياسي طويل يتطلب فتح مجالات النشاط الميداني لأحزاب المعارضة وللمجتمع المدني وللمواطنين، وإقرار حرية الصحافة وحياد الإدارة. وينبغي أن يكون ذلك بصورة دائمة وليس ظرفية.إن مثل هذا المسار الطويل سيسمح بتقوية الأحزاب السياسية والجمعيات الناشئة، وسيمنح النخب فرص البروز لتأخذ مكانها على رأس المؤسسات السياسية. كما سينجذب المواطنين طواعية للمشارك في السياسة. وعلى العكس، سيبقي الاحتكار الأحزاب شديدة الضعف، وسيعيق بزوغ نخب جديدة قادرة على القيادة وتولي شؤون الحكم، وسينفر الناس من السياسة.
كما أنه من الضروري “مأسسة” الحياة السياسية، أي بناء مؤسسات سياسية قوية بدل المؤسسات الحالية الشديدة الهشاشة؛ كأن تلعب العدالة دورها كسلطة قضائية لا تخضع إلا للقانون، وأن تكون البرلمانات مستقلة تُسائل الحكومات وتقود لجان التحقيق.
هناك تخوف من استئثار الإسلاميين بالحكم ليجهضوا الديمقراطية ذاتها! لكن التعاطف الجماهيري مع الإسلاميين إنما عززه القمع وغلق مجالات التعبير. وسوف لن يدوم هذا التعاطف لمجرد دفاعهم عن الإسلام، لأنهم لا يملكون حلولا ناجعة لقضايا الاقتصاد والمشاكل اليومية للناس.
إن التقنين الصارم للممارسة السياسية سيضمن التداول السلمي الشفاف على السلطة من دون الحاجة إلى تبرير تزوير الانتخابات وممارسة أنظمة الحكم لأبويتها على المجتمع.
تعتبر الانتخابات شرطا لازما للديمقراطية، لكونها تسمح بإمكانية التنافس حول… مزيد
تمثّل الانتخابات في الأنظمة الدّيمقراطية محطة محورية في الحياة السياسية… مزيد
ماذا يمكن أن نفعل لكي نضمن عملية ديمقراطية صحية أثناء… مزيد
تعليقاتك
commentsarada 3 سنوات أزيد م مضتن
تحية طيبة الأخ الكريم محمود
سعدت بكتاباتك ، لكن لدي تعقيب بسيط يتعلق بالحكم الذي أصدرته على التيار الإسلامي في عد امتلاكه لحلول ناجعة لقضايا الاقتصاد والمشاكل اليومية للناس.أعتقد أن هذا الحكم ينطبق على سائر مكونات المشهد السياسي في الجزائر بما فيها الحزب الحاكم الذي عجز عن بلورة تصور اقتصادي واجتماعي واضح رغم امتلاكه لأدوات ذلك وهو يحكم، ناهيك عن باقي الأحزاب اتلسياسية القائمة من يسار ها إى يمينها. ثم ألا ترى أن الإشكالية الأكبر ليست في الانتخابات في حد ذاتها ، بل في ظاهرة الاستقالة الجماعية لأطراف المجتمع المختلفة وخصوصا المجتمع المدني بمكوناته ،بما أتاح للسلطة القائمة توظيف الانتخابات في كل مرة .سهل جدا أن نوجه الانتقاد للأنظمة ولدورها في غلق اللعبة ومجالات التعبير والحرية، لكن ألا تتفق معي ان تطوير مقاربة جديدة تعتمد على التخلص من ظل السلط والطبقات السياسية، واعتماد المبادرة بعيدا عن هذا الظل كفيل بإحداث بعض التغيير .
مع تحياتي
عبد القادر عراضة – الدوحة
بلاغ إساءة