من: عبد العزيز قراقي

إذا كانت الشبكة العنكبوتية تمنح إمكانية الإبحار بحرية في عالم افتراضي لا حدود له، وإذا كانت قد قربت خدمات التواصل بين الأفراد بشكل لم يسبق أن عرفته البشرية، محولة بذلك العالم بالفعل إلى قرية صغيرة لا حدود لها، فإنها في المقابل تبقى أداة خطيرة يسئ استعمالها الكثيرون، فمن النصب للحصول على أموال بشكل غير مشروع، إلى الاستغلال الجنسي للنساء والأطفال، إلى ترويج الإشاعات للنيل من سمعة الأشخاص أو الدول، إلى غير ذلك من الاستعمالات المسيئة للإنسان ولنبل هذه الأداة.
غير أن توظيف الشباب عن طريق الأنترنيت واستقطابهم لخدمة الإرهاب يبقى معضلة حقيقية، لكونها تسعى إلى تحويل إنسان إلى آلة للقتل لا وازع لها، قد تضرب في أي مكان وأي زمان، ولعل تفكيك الشرطة المغربية مؤخرا لخلايا إرهابية تتبنى هذا الاختيار، يفرض اليوم أكثر من أي وقت مضى على الحكومات والأسر، مجموعة من الالتزامات من شأنها أن تساعد على الحد من خطورة الظاهرة الإرهابية.
قد يبدو ذلك صعبا قبل البداية، فإذا كانت الحكومات لديها من الإمكانيات لتبني اختيارات استراتيجية، تستطيع من خلالها الحد من ظاهرة استقطاب الشباب، فكيف للأسر أن تتحمل هذا العبء وهي قد لا تملك في بعض الأحيان حتى الحد الأدنى لتوفير العيش الكريم ؟
إن الإرهاب في الأصل فكرة بسيطة أنتجها عقل بشري، وبناء على ما ذهب إليه المفكر الفرنسي ألكسيس دو طوكفيل في كتابه الديمقراطية في أمريكا، فإن الأفكار البسيطة دائما ناجحة حتى ولو كانت خاطئة، لهذا فمقاومة الإرهاب تحتاج أولا إلى نوع من الفكر المضاد، يرتكز بالأساس على منظومة قيم تمجد الإنسان، وتعيد الاعتبار إلى الحياة، وهنا يأتي دور الأسر كأفضل آلية للتنشئة الاجتماعية، تجعل الأفراد يستبطنون قيم المجتمع وثقافته، غير أن الأسر ومع ذلك يبقى دورها محدودا، إذ لا بد من أن تلعب المدرسة دورا محوريا من خلال ترسيخ القيم التي تلقاها الطفل من أسرته، من جهة و عن طريق القيام بدور الوسيط لتأهيله للاندماج في المجتمع بشكل عاد من جهة ثانية، دونما أن ننسى أن التنشئة على قبول الآخر كما هو دونما السعي لجعله شبيها لنا، قد يبعد عن العقول فكرة المجتمع الذي يتشابه فيه الناس في كل شيء، والذي هو بطبيعته مجتمع يكرس استبداد الجماعة، الذي يبقى أفظع بكثير من الاستبداد الفردي.
هذا بالطبع لن يعفي الحكومات من مسؤوليتها في النهوض بالظروف الاجتماعية والاقتصادية للأفراد، والاهتمام بالتربية والتعليم، والحرص على جودة التكوين، ذلك أن الإنسان بصفة عامة قد يتحمل الفقر طالما كان لديه أمل التخلص منه، غير أنه في الوقت الذي يفقد ذلك، تفقد الحياة معناها، ويذب الحسد والحقد إلى نفسه التي تستوطنها كراهية المجتمع، وبذلك يتحول إلى فريسة سهلة الاستقطاب…
لا يمكن للمجتمعات المغاربية أن تظل في معزل عن التقدم… مزيد
استمرار الجماعات الإرهابية رهين بقدرتها على تجنيد أعضاء جدد، وكثيرا… مزيد
بات من الصعب في ظل التكنولوجيا الحديثة وضع آلية مراقبة… مزيد
تعليقاتك
commentsمجهول 6 أشهر حوال مضتي
يعجبني دائما في كتاباتك أنك تركز باستمرار على الفكر كآلية لمقاومة الكثير من الظواهر السلبية التي تعيشها المجتمعات، وأعتقد أن مهمة المفكرين في المجتمع كبيرة فهم الذين عليهم إنتاج ما يحتاجه المجتمع من أفكار تضمن له حدا من الانسجام مع القيم التي يتبناها، غير أن انشغال هؤلاء بقضايا أخرى خاصة في البلاد المغاربية جعل دورهم يكاد يكون منعدما، وأظن أن المدخل الصحيح لذلك هو الاهتمام بالجامعة أكثر من أي وقت مضى
بلاغ إساءة
مجهول 6 أشهر حوال مضتي
إذا كانت الظواهر الإجتماعية ناتجة عن خلل أو مرض أصاب المجتمع ،فما هو المجتمع المثالي ؟ هل هو المجتمع الذي تنقرض فيه كل الظواهر الإجتماعية ؟ أم المجتمع الذي يتبنى القيم الكوكبية ؟ أم مجتمع يتفاعل مع أحداث عصره ؟ لكن الإشكالية الجوهرية في خضم هذه الإستشكالات , هي ظاهرة الإرهاب ، وتجلياتها المتعددة ،وبالأخص تحريط الشباب والمراهقين على هذا الفعل الإجرامي ،وبالتالي لا بد من دراسة سوسيولوجية تستحضر الإطار العام التي تشكلت فيها هذه الطاهرة ،والمرجعية الأساسية لهذا الفكر ، وممارسة الحفر العميق لجتثاث المضعة الأساسية لظاهرة ومن تمت فهم الظاهرة بشكل علمي ودقيق ،ولهذا تعتبر الثقافة الشعبية هي الحصن الحصين لهذه الظاهرة على عتبارها تحمل القيم الإجتماعية والتسامح والتفاعل البناء بالإضافة إلى دور القيم التربوية سواء عند الأسرة أو المدرسة
بلاغ إساءة
مجهول 6 أشهر حوال مضتي
بلاغ إساءة
مجهول 6 أشهر حوال مضتي
إن الفقر مصيبة عظيمة تواجه الدول المغاربية، ولهذا عندما كتبت أن ما هو خطير ليس هو الفقر وإنما فقدان الأمل يكون لكلامك معنى حقيقي
بلاغ إساءة
مجهول 6 أشهر حوال مضتي
لقد استقال الآباء من مهمات الأبوة والأمومة. هذا هو انطباعنا اليوم. إنهم مشغولون جدا لدرجة أنهم يجهلون ما يقوم به أطفالهم. يعتقد الكثير من الآباء أن السماح للأطفال باستعمال الانترنت طوال الوقت، والحصول على كل ما يريدونه، سوف يحل جميع المشاكل. ولكن هذا غير صحيح. الأطفال بحاجة دائمة للمساعدة والتوجيه، لأنهم في مرحلة انتقالية. لذلك، فأفضل حل في نظري هو أن نكون بالقرب منهم طيلة الوقت دون ممارسة السلطة الأبوية.
بلاغ إساءة