من: عبد العزيز قراقي

تثير مسألة الدين بشكل أو بآخر عدة مشاكل على المستوى السياسي، فإذا كان الغرب قد حسم مع ذلك منذ مدة بعيدة انطلاقا من الفصل بين العقل والإيمان، فإن المسألة لا زالت لم تتم إلى اليوم بشكل مطلق عند الكثير من الشعوب الإسلامية، حيث لا يحضر الدين بثقله الروحي في العديد من مناحي الحياة فحسب، بل تداخل ذلك مع التاريخ، الذي كثيرا ما أصبح يعتبر جزءا من الدين يحظى هو الآخر، بقدسية يصعب معها على الكثير من الناس ممارسة التفكير فيه بحرية مطلقة، في حين أنه ممارسة طبيعية لبشر قد يصيبون وقد يخطئون، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم.
وتأثرت بذلك الممارسة السياسية، مفرزة تيارين كبيرين، أحدهما يعتبر أن ضبط السياسة على إيقاع الدين هو الأصلح، في حين يخضعها ثانيهما إلى العقل بشكل مطلق.
و ظلت السلطة السياسية تعمل على توظيف كلا الطرفي لفائدتها حسب الحاجة، والسعي إلى تخويف كل طرف بالطرف الآخر. غير أن ما شهده العالم العربي من تحولات جعل الاهتمام ينصب على أمور سياسية جوهرية، تتوخى إقامة أنظمة ديمقراطية تكفل ممارسة سياسة سليمة، تسمح بالحق في الاختلاف والتعايش بين كافة الأفكار.
ولعل ذلك هو ما دفع الحكومة التونسية الساعية إلى وضع نظام سياسي جديد، إلى التعامل مع حركة النهضة كحزب سياسي ذي حجم طبيعي، له الحق في التنافس السياسي الشريف على ممارسة السلطة.
فهل يمكن للأحزاب السياسية الإسلامية اليوم أن تضطلع بدور في حكومة ديمقراطية؟
إن الأحزاب الإسلامية هي أولا وأخيرا إفراز مجتمعي، تقوى بفعل إقصائه ومواقفه المعارضة، المستقطبة لعدد من الفئات الاجتماعية، وكعادة الأحزاب التي تطيل المكوث في المعارضة، تغيب عنها الكثير من المعطيات الخاصة بتدبير العمل الحكومي، ولهذا فإن فتح المجال أمامها للمشاركة في انتخابات نزيهة وديمقراطية، تقوم على احترام كافة الفرقاء، سيجعلها أولا أمام محك وامتحان حقيقي لقدرتها على الإبداع السياسي، وسيبين حجمها الطبيعي الذي كثيرا ما تم التخويف بضخامته، ولكنه سيمكن من بلورة تعددية حقيقية يفرزها المجتمع، مختلفة تماما عن تلك المختزلة في التعددية الحزبية.
وعلى المستوى السياسي فإن تواجد الأحزاب السياسية الإسلامية في الحكومات قد تكون له فوائد متعددة أبرزها:
- الاستفادة من قدرتها على التعبئة في تطوير مشاريع تروم التنمية بمختلف مضامينها، مما سيساعد على بلورة سياسات عمومية تعكس ما يتطلع إليه أفراد المجتمع؛
- إشاعة ثقافة التعدد و احترام الاختلاف، التي تنسجم مع الاختيار الديمقراطي الكفيل بإعطاء المعنى الحقيقي للسياسة؛
- تراجع اختيار العنف كآلية للعمل السياسي لفائدة الحوار والنقاش والتفاعل مع الأفكار السياسية المعبرة عن طموحات الأفراد وحاجتهم إلى الحرية؛
- تطوير الخطاب السياسي وإخضاعه إلى منطق النسبية الذي يسمح بالمراجعة الدائمة للأفكار بالشكل الذي يسهل عملية الانتقال من المعارضة إلى ممارسة السلطة؛
- الاحتكام إلى الدستور كوثيقة تفرض القبول بالتراضي كأسلوب وتنظم العمل السياسي المؤسساتي، وتضمن الحقوق والواجبات, كما تمكن من ضبط الخصوصيات المحلية على إيقاع الديمقراطية كاختيار كوني.
ظلت الأحزاب السياسية الإسلامية في البلدان المغاربية بمثابة عقدة للديمقراطية… مزيد
من المفارقات الملفتة للانتباه في التطورات التي شهدتها الأحداث في… مزيد
فتحت الثورات في عدد من الدول العربية المجال أمام التعددية… مزيد
حفر التونسيون اسم بلدهم بحروف من ذهب على صفحات التاريخ… مزيد
تعليقاتك
commentsمجهول حوالي سن مضتة
لقد أثر غياب الديمقراطية كأداة رقابية للصراعات الاجتماعية على المجتمعات المغاربية. أعتقد أن المسألة تتجاوز الميدان السياسي، وتتجذر في الأعراف الاجتماعية التي تحكم الأنشطة الاجتماعية والثقافة، والمسؤولة عن تشكيل التصورات عن الآخرين.
بلاغ إساءة
مجهول حوالي سن مضتة
شكرا لك أستاذي العزيز على شرحك للوضع الحالي في المغرب. مع أطيب تحياتي. أ. كفرامر
بلاغ إساءة
مجهول حوالي سن مضتة
الأستاذ المحترم أنا غير متفق معك حول نقطة أساسية تذهب إلى القول بأن الإسلاميين يجب إشراكهم في السلطة ومن يضمن لي أنهم غدا لن يفرضوا على حريتي قيودا لا أتحملها، إن الحل في رأيي هو تطبيق العلمانية لا على مستوى أجهزة الدولة بل أيضا على مستوى الممارسة السياسية فكل من أراد أن يلتحق بالسلطة عليه أن يدرك أنه سيلج ميدانا لا مكان فيه للمعتقدات، وأنه يخضع بشكل مطلق للعقل ذلك هو الطريق الأسلم لتجنب أي قيود سلبية قد تفرض على الحرية
بلاغ إساءة
مجهول حوالي سن مضتة
مرحبا. نحن نضيع وقتا ثمينا في نقاشات عقيمة. عندما نمنح بعض الأحزاب الحق في المشاركة السياسية، ونحرم الآخرين منه، فهذا يعني بأننا مناهضون للديمقراطية، وبأننا بحاجة إلى مراجعة تصورنا للآخرين، والاعتراف بأن أمامنا الكثير لتعلمه من الجميع. لقد سبق وأن عشنا في الجزائر تجربة إقصاء الآخرين، والنتيجة اليوم هي هيمنة الأسلحة والخوف.
بلاغ إساءة
مجهول حوالي سن مضتة
مرحبا. أنا أتفق تماما مع وجهة نظركم حول التعددية، وأود أن أقول أن مشكلة السلطة السياسية في البلدان المغاربية تكمن في اعتقادنا الراسخ بأننا استبدلنا التعددية بالتعددية الحزبية، التي لا تمثل شيئا، مما أدى إلى خلق أحزاب الأغلبية التي احتكرت كل شيء، أي بكل بساطة تكريس نظام الحزب الواحد، لكن بطريقة مختلفة.
بلاغ إساءة
مجهول حوالي سن مضتة
لقد أكدت الثورات التي بات يعيشها العالم العربي اليوم أن هناك بالفعل تيارات داخل المجتمعات العربية كانت تسعى باستمرار إلى نشر صورة خاطئة عن الإسلاميين، بل ذهب الكثيرون إلى حد التشكيك في نواياهم فإذا ما قبلوا الديمقراطية قيل بأنعم يمارسون التقية وأنهم يرغبون في استغلالها من أجل فرض حكم الاستبداد المتعصب للرأي والفكر وقد أثبتت التجارب غبر ما مرة أن الأحزاب الإسلامية في بعض الدول العربية أكثر ديمقراطية من غيرها وأستدل هنا بتجربتي حزب العدالة والتنمية في تركيا والمغربـ ففي الوقت الذي يقود فيه الأول التحولات العميقة في تركيا، ويسعى جاهدا إلى نقل تركيا من حكم العسكر إلى واحة للديمقراطية، أكد فيه حزب العدالة والتنمية في المغرب أنه الأكثر ديمقراطية إذا ما قورن ذلك بعدد كثير من الأحزاب السياسية المغربية، فمؤتمراته الوطنية تمر في جو هادئ من النقاش والحوار البناء ويتم فيه التداول على رئاسة الحزب دون أية مشاكل تذكر. إلى جانب ذلك هناك تيارات واسعة في العالم العربي تذهب إلى القول بأن الشعوب العربية لا زالت لم ترق بعد إلى الديمقراطية، والحقيقة أن الذاهبين إلى ذلك هم مجموعة من المستبدين يعيشون حول السلطة السياسية ويستفيدون من الوضع المتأزم والمتردي
المكي الزيلاشي
بلاغ إساءة
مجهول حوالي سن مضتة
أستاذي العزيز، أنت محق. أعتقد أنه يجب أن تتقاسم الأحزاب الإسلامية الديمقراطية مع الجميع. وعلاوة على ذلك، هل عدد الإسلاميين هائل لهذه الدرجة لكي نخشاهم لهذا الحد؟ لقد أثبتت تونس عن نضج كبير على الرغم من أن الثورة انطلقت أساسا على أيدي الشباب الذين استنزفوا جميع المترددين.كما أن الإسلاميين لم يشكلوا الغالبية في المظاهرات… استبعاد الأحزاب الإسلامية من الحركة الديمقراطية عودة إلى الديكتاتورية، وإشراكها في اتخاذ القرارات السياسية الحيوية للبلاد أمر ضروري. ليس كل الإسلاميين رجعيين وعدوانيين. وسوف يكون الإشراف الجمهوري حيويا للسيطرة على أي انزلاقات. لن يحدث هذا في عشية وضحاها! كونوا يقظين.
بلاغ إساءة
مجهول حوالي سن مضتة
إن إخضاع السياسة إلى التراضي هو أفضل وسيلة تسمح بنزع التوتر منها، وهو ما يسهل تدبير الاختلاف، ولهذا أتفق معك في هذه النقطة غير أن القبول بالتراضي يجب أن يكون مسبوقا بقبول الاختلاف واعتباره معطى طبيعيا، إذ إن الثقافة عندنا تتعامل مع الآخر بمنطق الإقصاء وهو ما يجعل الكثير من المشاريع المجتمعية معرضة سلفا للإجهاض
بلاغ إساءة
مجهول حوالي سن مضتة
مقالتك الصغيرة غنية بالدلالات وعميقة وأظن أنها جديرة بالقراءة من طرف كل مشتغل بقضايا الديمقراطية، وهي أكدت لي أن الموضوعية قد تفرز معرفة نحن في حاجة إليها باستمرار من أجل بناء مجتمعات تشع بالتسامح واحترام الآخر
بلاغ إساءة
مجهول حوالي سن مضتة
إن مشكلة المجتمعات العربية هي عياب الاستعداد للديمقراطية، ولذلك نحن لانقبل الآخر عندما يكون مختلفا معنا، فبالرغم من أن مجتمعاتنا يحضر فيها الدين إلا أننا نرفض الأحزاب الإسلاميةوتلك معضلة تؤرق بال كل من يبحث عن حل لقضايا العلاقة بين السلطة والمجتمع
بلاغ إساءة