
أن يقدم شاب مغاربي على ما يسميه التونسيون "الحرقان"،أي الابحار بصفة غير قانونية نحو أوروبا بحثا على لقمة العيش المفقودة في بلده أو طمعا في الالتحاق بما يتصوره “ألدورادو” في فرنسا أو في اسبانيا، فهذا أصبح جزءا من المشهد الاجتماعي اليومي في منطقتنا المغاربية…
أما أن يعمد شاب من العاطلين عن العمل في مقتبل العمر على الانتحار حرقا في ساحة عمومية وأمام مقر المحافظة، وهو ما حدث في مدينة سيدي بوزيد التونسية يوم 17 ديسمبر الفارط، فذلك يغير المشهد تماما… وأول ما يؤكد ذلك ردود الفعل المباشرة والقوية والعفوية من طرف عدد كبير من سكان المدينة وخاصة من شبابها، وشبابها العاطل عن العمل بالتدقيق…
لقد أصبحت قضية بطالة أصحاب الشهادات في تونس كما في المغرب ، وبأقل حدة نسبيا في الجزائر، قضية جوهرية وخطيرة، يمكن القول في شأنها أنها إذا لم تجد حلولا لها في الخمس سنوات القادمة، فهي ستكون بمثابة القنبلة الموقوتة القابلة للانفجار في أي وقت …
هذه المسألة بدأت تتبوأ صدارة القضايا الكبرى في البلاد.. على سبيل المثال في تونس اليوم عشرات الآلاف من المتحصلين على شهادات عليا يترقبون بل يجرون وراء شغل ما فلا يجدون شيئا…
لقد آن الأوان للحكومات أن تعي خطورة هذه القضية التي يمكن أن تتحول إلى كارثة اجتماعية وحتى سياسية… خلق مواطن شغل لخريجي الجامعات ومؤسسات التعليم العالي ينبغي أن يصبح أولوية الأولويات بالنسبة للحكومات…
وأول ما ينبغي عليها المبادرة به تعديل توجهاتها الليبرالية المجحفة التي جعلت الدولة تنسحب بصفة واضحة لفائدة الخواص ، على أساس أن هؤلاء هم المؤهلون وحدهم للاستثمار في مشاريع تخلق مواطن شغل قادرة على الاستجابة لطلبات الشغل المتزايدة…
وقد أثبتت السنوات الأخيرة فشل هذا الخيار… فالمستثمرون الخواص لا يحبذون بعث مشاريع في المناطق الداخلية والنائية، في الوقت الذي تفيد فيه الأرقام أن المناطق التي هي في حاجة أكثر من غيرها للاستثمارات المنشئة لمواطن الشغل هي المناطق الداخلية والنائية بالذات…
ينبغي على الدولة أن تكف عن الاكتفاء بالتوجيه والتأطير وتتحول في صيغ متنوعة ومتعددة إلى باعثة مشاريع بالنسبة للمناطق الفقيرة والمهمشة حتى الآن: كذلك ينبغي إعادة النظر في نوعية المشاريع المطلوبة حتى يقع التركيز على مشاريع من نوع التي تعتمد على يد عاملة مؤهلة تأهيلا عاليا حتى تستطيع استيعاب الشباب المتخرج من الكليات والمدارس العليا….
كذلك، يمكن للحكومات أن تنظر بجدية أكبر لإمكانيات تطوير نوعي للهجرة المنظمة مع عدد من الدول الأوروبية بالنسبة لقطاعات أكدت الدراسات والإحصائيات مدى احتياج دول أوروبا إلى إطارات ذات مستوى عالي في السنوات القادمة ليست متوفرة في سوق الشغل الداخلية الأوروبية.
لكن للحقيقة، ينبغي التأكيد على أن كل هذا ليس كافيا… فهناك ضرورة قصوى هي الأخرى، تلك التي تتطلب إعادة النظر في النظام التربوي بصفة شاملة وجذرية، بدءا من التعليم الابتدائي ووصولا إلى التعليم العالي، بالرغم من قرب موعد تقلص ثم انتهاء ما سّمي “بالانفجار الجامعي” (بالنسبة لتونس على الأقل)…
انه من غير المقبول مطلقا أن تواصل جامعاتنا إنتاج عشرات الآلاف من الخريجين من بينهم نسبة كبيرة لا تمتلك من التأهيل التقني والمعرفي والعلمي والثقافي على حّد السواء إلا قليله.
ودعت تونس على غير المتوقع العام 2010 بأحداث سيدي بوزيد… مزيد
كشفت أحداث مدينة سيدي بوزيد التي ما زالت تونس تعيش… مزيد
لقد أحيت الأحداث التي هزت عدة مدن تونسية جنوب البلاد… مزيد
تعليقاتك
commentsمجهول حوالي سن مضتة
بالنسبة لتونس التي كانت مسرحا لهذه المأساة الرهيبة، فالجواب بسيط: يجب على المسؤولين الذين دفعوا بهذا الشاب إلى اليأس أن يحزموا أمتعتهم ويرحلوا. أنا لا أتحدث عن الشرطية الحقيرة التي صفعته أمام الملأ لإذلاله، ولا عن المسؤولين الذين أغلقوا أبوابهم في وجهه ومنعوه من تقديم شكوى، فهم مجرد كلاب دربتهم المافيا المتربعة على كراسي السلطة لتخويف المواطنين. المسؤول الرئسي هو زعيم الانقلاب، الجنرال الذي استولى على السلطة باستخدام شهادة طبية تثبت أن الديكتاتور الذي كان في السلطة آنذاك كان مختلا عقليا؛ وهذا صحيح إذا نظرنا للمستغل الذي وثق به هذا الأخير لخدمته وحمايته. لا تزال تونس تعاني من تبعات هذا الاختيار غير الصائب. المسؤولون الآخرون هم الخدم الذين يتذللون ويزحفون أمام أسيادهم، والذين أهانوا مراكزهم الوازرية المبنية على التملق نحو الأعلى والدوس نحو الأسفل. دعونا لا ننسى مجموعة الدمى المعروفة باسم النواب، والذين تختصر مفرداتهم في كلمة واحدة: نعم. أما المافيا المكونة من المحتالين والمضاربين الذين يستولون على الأراضي العامة لبيعها بأسعار عالية، والذين يكومون في مغارة علي بابا السيارات الفخمة واليخوت المسروقة من أوروبا، فيمكنهم أيضا اللحاق بزعمائهم. تونس بحاجة فعلا لشيء من التنظيف.
بلاغ إساءة
مجهول حوالي سن مضتة
يلا هذا الخراب تونس لم تعد بلاد الأمن و الأمان
بلاغ إساءة