من: علي مغازي

حرصت دائما المجتمعات الشرقية على إضفاء طابع القداسة على تلك الجريمة المكتملة العناصر؛ المسماة “ليلة الدخلة”.
فكل العائلات المتمسكة بالتقاليد العربية الإسلامية، تقدس هذا النوع من الاغتصاب، بل إنها تحتفل به وتدافع عنه، بحيث لا يتم الزواج إلا من خلاله. وهكذا فإن كل أسرة جديدة في مجتمعنا التقليدي تبدأ حياتها من “لحظة إتمام عملية اغتصاب زفافية”، لا يدينها القانون بل إنه يشجع عليها، ولا تستهجنها الأعراف والتقاليد بل إنها تتباهى بها. ويمجدها الإعلام الرسمي ويؤكد على مزاياها ورمزياتها في أفلام تلفزيونية يتم بثها للناس.
كل زوجين يتذكران هذه الليلة ويتفاديان الحديث عنها، فهما قد تجاوزا هذا الامتحان بسلام، وكل ما يتمنيانه أن يتجاوز أولادهما وبنتاهما ذلك مستقبلا.
إن في أعماق كل امرأة متزوجة ذكرى أليمة متعلقة بيوم زفافها، وهذه الذكرى تعطيها إحساسا كبيرا بالقهر والدونية، وقد تجعلها تنظر إلى جسدها كلعنة مسلطة عليها.
إنها تتذكر جيدا كيف اهتزّ قلبها بين ضلوعها وانقبضت أساريرها وتلاحقت أنفاسها وامتلكها الرعب وهي ترى أمها تنحني عليها لتخبرها أن لحظة الحسم ستبدأ بعد دقائق.
في هذا الوقت يكون زوجها المسكين يتلقى من أصحابه ـ ذوي الخبرة في الاغتصاب ـ المزيد من النصائح والإرشادات والخطط البديلة لتشجيعه على “إنهاء الأمر” بسرعة، ثم يرافقه أحدهم وهو يحمل بندقية إلى غرفة العروس التي تجلس خانعة مستسلمة بانتظار مصيرها المرعب.
يدخل العريس إلى عروسه ويبقى حارس الأخلاق قرب الباب حاملا سلاحه بانتظار أن يسمع صرخة العروس ليطلق النار إيذانا بنجاح العملية.
ولا يبقى سوى أن يخرج العريس متوجا بالنصر تاركا عروسه غارقة في دم عذريتها المهدور علنا، لتهبّ إليها النساء وهن يزغردن ويرقصن محتفلات بالشرف المقدس الذي تجسد في قطرات دم على منديل أبيض ستبقى في ذاكرة الزوجة الشابة رمزا للصدمة المهولة والشعور التام بالعجز وشلل الفكر وانكسار الإرادة.
في الغد يتم تداول هذا المنديل بين سكان الحي أو القرية، لتأكيد رجولة الزوج وكفاءته، وشرف الزوجة وطيب نسبها. مبارك لهما..!!…
سينجبان البنات والأولاد ليكونوا أفرادا في مجتمع يدّعي أنه يدين الاغتصاب ويعاقب من يرتكبه.
إن مصطلح (اغتصاب) في أذهاننا لا يعني إلا تلك التعريفات المتعلقة بقانون العقوبات الذي تختلف نصوصه ومرجعياته ومفاهيمه من بلد إلى آخر، كما هو الحال في بلدان المغرب العربي.
وبالتالي فالخوض في المسألة القانونية للإحاطة بموضوع الاغتصاب كأحد أشد جرائم الاعتداء قسوة على كرامة الإنسان، يبعدنا عن جوهر الموضوع. ذلك أن القوانين في هذه البلدان لا تزال ملتبسة وخاضعة لشروط الدين والعرف والعادات والمفاهيم السائدة. ناهيك عن تلك الاعتبارات الاجتماعية التي تحمي المعتدي وتفتح أمامه فرص التهرب من المسؤولية، وبالمقابل تمنع المّعتدى عليه من إثبات ما يسمى بـ “عناصر جريمة الاغتصاب”.
إن الاصطلاحات التي يتداولها المحامون والقضاة ورجال القانون في الجزائر على وجه الخصوص، حول جريمة الاغتصاب، تجعل الأمور بالغة الغموض أمامنا.
إنهم يتكلمون عن “فعل مخل بالحياء” وعن “الفاحشة” و"الزنا" و"هتك العرض" وكلها عبارات متداخلة وذات طابع ديني ممطط.
لكن الواقع أن الأطفال يتعرضون يوميا لحالات اغتصاب بشعة داخل أسرهم وفي الشارع وفي كل مكان والفتيان اليافعين أيضا…
كما يتم تسجيل حالة اغتصاب واحدة على الأقل، يوميا، تتعرض لها نساء وفتيات قاصرات وقد تصفهن صحيفة ما بأنهن نساء “أرغمن على الممارسة الجنسية تحت طائلة التهديد أو الضرب والإكراه”. ويصفهن القانون بأنهن تعرضن لـ “هتك عرض”. وتبدأ معاملتهن كنساء غير شريفات، منبوذات، غير مرغوب في وجودهن. وينتهي بهن الأمر في مركز لرعاية المنحرفات.
ويقضى الجاني عقوبته لأشهر أو بضعة سنوات، ثم يعود إلى المجتمع، وينسى الجميع فعلته المشينة.
والواقع أن الكثير من الزوجات في بيوتهن يتعرضن للإكراه أو لأشكال من الممارسة هن لا يوافقن عليها، لكنهن مرغمات على القبول بها حفاظا على مستقبلهن الأسري.
بعد كل هذا… عن أي اغتصاب في المجتمع نحن نتحدث مادام هذا المجتمع ينشأ يوميا على فكرة الاغتصاب ولا يستطيع الحديث عنها أو إدانتها؟
تريدون أن يتوقف الاغتصاب..؟؟
إذن أعيدوا النظر في كل المنظومات القانونية، السياسية، الاجتماعية، الثقافية، التربوية، الدينية… التي تحكم حياة هذا المجتمع، وتنظم العلاقات بين إفراده.
أعيدوا للجسد حرمته وللإنسان حريته في اختيار أسلوب حياته.
أعيدوا للزواج مفهومه الحقيقي حتى لا يكون مجرد مؤسسة لتبرير أشكال عديدة من الاغتصاب المقدس.
لا توجد للأسف إحصائيات دقيقة تبرز أهمية ظاهرة الاغتصاب والاعتداء… مزيد
يشكل الجنس إحدى الطابوهات المُسيِّجة لبنية النسيج السوسيو-ثقافي العربي، فرغم… مزيد
تعتبر مسالة الاغتصاب مطروحة بقوة في المجتمعات المغاربية في الآونة… مزيد
الإغتصاب هو نوع من الإعتداءات الجنسية التي تأتي من فعل… مزيد
تعليقاتك
commentsمجهول حوالي سن مضتة
أيدي خبير! أنا مفتونة جدا بمقالك… لإكمال وصفك لهذه الطقوس الوحشية التي لا تزال متداولة للأسف، أوجه انتباهك إلى فيلم لمحمد الأخضر حمينة بعنوان “رياح رملية” (1982)، حيث يتم التضحية “بالوحش” في صمت جنائزي. (ريما)
بلاغ إساءة
مجهول حوالي سن مضتة
الله الله عليك . أنت عظيم يا أستاذ علي . أنت قاسم أمين الجزائر .
بلاغ إساءة
مجهول حوالي سن مضتة
علي، لقد تناولت مشكلة قبول الاغتصاب من زاوية واحدة فقط، وهي ليلة الزفاف. ماذا عن باقي الأيام الأخرى وبقية حياتهما الزوجية؟ بعض الرجال يعيشون مع نساء منقادات فكريا. هذا الرضوخ مقبول جزئيا من قبل المرأة (بدرجات متفاوتة)، لأنها تكون مهيئة لذلك منذ الصغر، من خلال أشكال مختلفة من الاغتصاب، منها اللفظي والبصري، داخل الأسرة وخارجها. مما يشوه احترام جسد المرأة ويختزل هذا الأخير إلى بضعة أعضاء تعتبر ضرورية في “الحياة الجنسية”…… إلى اللقاء.
بلاغ إساءة
مجهول حوالي سن مضتة
شكرا على وصفك الأدبي لهذه الطقوس بأسلوب شبه فولتيري. ولكن هل ينبغي أن تغتصب المرأة دون زغاريد في حديقة عامة لكي لا تعاني من عذريتها الطبيعية التي حباها بها الله، وتتجنب إبقاء أي ذكريات أليمة عن هذه التضحية؟ أليس من المفترض أن تفقد المرأة عذريتها في مرحلة ما من عمرها على أية حال؟
بلاغ إساءة
مجهول حوالي سن مضتة
تشكر يا أستاذ مغازي،طرحت موضوعا حساسا جدا و واقعيا،مأساويا حتى النخاع…يرقص له العرف ،يبصم الشرع و يزكيه القانون حين يحكم،أيضا، بعودة الزوجة إلى ما سماه بيت الطاعة،مرغمة لا راضية،غير عابئ بما ستؤول إليه حياتها،تحت سقف انسدت فيه كل سبل التواؤم وأسس العشرة بالمعروف…
بلاغ إساءة
azwaw حوالي سن مضتة
شكرا لك يا علي، أيها الوسيم المفكر، على تلخيصك الذكي لأكبر عائق لدينا… الجنس. من الواضح أنك تصور الأمر بطريقة كاريكاتورية لأنه ولحسن الحظ، ليست كل الزيجات عبارة عن اغتصاب. هناك حالات سعيدة (حالات قد تكون فيها الزوجة غير عذراء ومع ذلك يحبها زوجها كما هي وقد لا يحبها لو كانت غير ذلك). ولكنك تؤكد على الجوانب السيئة. الدين المزور من قبل مهووسين متنكرين كعلماء. المجتمع الخانع لهراء هؤلاء الأشخاص. السلطات السعيدة بهذا الوضع لتمكنها من تركيز اهتمام "الرعاع ". محمد، أهذا ما كنت تريده، أنت الذي كان لديك عدة زوجات يلهمونك وتحترمهن؟ لعن الله المزيفين.
بلاغ إساءة
مجهول حوالي سن مضتة
اعتقدان ليس كل النساء يتقاسمن نفس الشعور و انه اد كانت المرءة ترتاح لباقي الايام فلا ضرر (بماساة) بيوم واحد
اخضر الجزائربلاغ إساءة
مجهول 6 أشهر حوال مضتي
هذا غباء، فالأمر يتعلق فقط بليلة عرس سعيدة. توقفوا عن تخيلها وكأنها اغتصاب. ليس هناك أي شيء خاطئ أو همجي بخصوصها. هذه الأوهام في مخيلتكم فقط!
بلاغ إساءة