خلفية الأقطاب الحزبية وضرورة الدورة الثانية

Kassouri من: ادريـس قـصـوري

Zawaya0917

لاشك أن الانتخابات الجماعية تتميز بشكل كبير في رهاناتها وانتظاراتها السياسية وفي شكل تخطيطها وإدارتها وطبيعة الفاعلين الحزبيين والاجتماعيين فيها عن الانتخابات التشريعية بأهدافها وترتيباتها السياسية الكبرى والوطنية. ورغم أن هذه القاعدة المميزة للحدث الجماعي عن الحدث التشريعي قد تكرست في انتخابات 12 يونيو بامتياز، إلا أنها أتت بعدة معطيات سياسية جديدة تلقي بظلالها على الانتخابات التشريعية المقبلة تفرض اتخاذ قرارات سياسية واضحة إذا ما كانت هناك إرادة سياسية حقيقية لتصحيح المشهد السياسي وعقلنة الأداء الحزبي في اتجاه يعيد للثقافة السياسية المغربية بعض المصداقية المفقودة ويؤدي ربما إلى تصالح المواطن المغربي مع صناديق الاقتراع مستقبلا حيث ستصبح للانتخابات جاذبيه حاسمة أو سيتم هجرها إلى الأبد.

وبغض النظر عن الظروف السياسية التي مرت فيها الانتخابات والتي لا يمكن لأحد أن يبيض فيها سجل وزارة الداخلية ومصالحها الخارجية حيث لم تختلف هذه الانتخابات عن سابقتها اختلافا وجوهريا من حيث استمرار بعض الظواهر الشاذة مثل حضور المال وتوزيع الوعود الكاذبة وترشيح أقطاب المال ورموز الفساد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي وإجراء انتخابات شبيهة بالبلطجة وفرجة الفتوة بعيدة عن الأخلاق والعقلنة، وبغض النظر عن اسمرار وزارة الداخلية في الإمساك بكل خيوط الضوابط القانونية وإحكام وصايتها على الجماعات في ظل الحديث عن الحكامة الجيدة والجماعات الحاملة للمشروع التنموي وإعمال سياسة القرب والتنمية المحلية، ودون الدخول في استهلاك الحديث غير المفيد في نسبة 52 في المئة مقارنة بنسبة الانتخابات البرلمانية السابقة، فإنه يمكن الوقوف عند بعض المظاهر المميزة لهذه الانتخابات قصد خلق دينامية سياسية قد تعطي بعض الأمل للقطع مع الماضي الدامس إذا توفرت الإرادة السياسية لدى المسؤولين…

ويمكن أن نتلمس هذا البعد من خلال الوقوف عند القطبية السياسية والزعامة الحزبية الانتخابية وتشكيل المجالس ثم الآلة التنظيمية والإعلامية.

أكدت هذه الانتخابات أن الأحزاب الكبرى رغم عدم تمكنها من تغطية كل الدوائر الجماعية قد حققت نتائج إيجابية وحصلت على نسبة من الفائزين أكثر من نسبة المرشحين على الصعيد الوطني، بحيث إن الحزب الذي رشح مثلا 16 قي المئة أو 12 في المئة حصل على 21 في المئة أو 16 في المئة من الفائزين مستفيدا في ذلك من شرط عتبة 6 في المئة الذي لعب بمثابة جوكير الانتخابات، ومن نظام اللائحة الإضافية الذي لم يكن لصالح العنصر النسوي فقط وإنما لعب لصالح الأحزاب الكبيرة على حساب تلك الصغيرة التي بدأت تضيق دائرة أدوارها السياسية في تمزيق الخارطة الجماعية وبلقنة المجالس.

فلأول مرة في المغرب بدأت تظهر بجلاء معالم خارطة طريق نحو تشكيل أقطاب ودوائر سياسية تبدوا أكثر وضوحا وواقعية ممكنة. بحيث،يمكن الحديث اليوم عن أقطاب حزبية ذات مرجعيات فكرية أو سياسية لاحمة وموحدة. فإذا ما قلنا بأن المشهد السياسي المغربي لم يعد يحتمل احتضان باقي التنظيمات الحزبية الأخرى، فيمكن الحديث من خلال هذه الانتخابات على الأقل عن:

- قطب الأغلبية مشكل من حزب الاستقلال وحزب الأحرار وحزب الاتحاد الاشتراكي وحزب التقدم والاشتراكية الذي يلعب دور السلطة لتنفيذية والذي يمكن أن يحافظ على ذاته كقطب سياسي منسجم إذا ما نزعت مكوناته عن نفسها صراع الاستعلاء وحب الزعامة،
- قطب المعارضة مشكلا من حزب الأصالة والمعاصرة والحركة الشعبية والاتحاد الدستوري وحزب العدالة والتنمية الذي قد ينضم حاليا إلى تحالف القطب الأول بحكم الاختلاف بينه وبين الأصالة المعاصرة والتي ستزول مع الأيام وبحكم مرحلة المغازلة الحالية التي دشنها مع حزب الاتحاد الاشتراكي.

على أن هذا التقاطب يظل ممكننا إذا ما قرر حزب التجمع الوطني للأحرار وفق الدور المنوط به البقاء مع الأغلبية الحكومية استجابة لتوجهات الرسالة الملكية الأخيرة للوزير الأول التي جددت في عباس الفاسي وفي الحكومة الحالية الثقة الملكية وطالبتها بالاستمرار في “الأورش الكبرى” وانطلاقا من الاستجابة الطوعية والفورية لحزب الأحرار لخلفية الرسالة الملكية حيث سارع مصطفى المنصوري رئيس الحزب إلى التصريح ببقائه مع الأغلبية الحالية وعدم إتباع خطى الأصالة والمعاصرة نحو المعارضة.

وقد يمكن أن تتشكل أقطاب على خلفية فكرية تتكون من:

- قطب يساري يتكون من الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية قد لا يعرف نجاحا كبيرا أو استمرارا طويلا،
- وقطب إسلامي تمتزج فيه العدالة والتنمية بتعادلية حزب الاستقلال إذا ما بحثا عن الانسجام الفكري وتركا جانبا أحقية الاستحواذ العقدي والهيمنة،
- وقطب ليبرالي تقيلدي مشكل من الاتحاد الدستوري والحركة الشعبية حيث يلتقي أعيان المدن بأعيان البادية،
- وقطب ليبرالي حديث يتكون من حزب الأحرار وحزب لأصالة والمعاصرة حيث تجتمع آلة المال بنخبة اللوبيين الإداري الجديد والمستقبلي.

بيد إن هذه القطبية تظل لحد الآن قطبية ممكنة تتسم بنوع من المرونة قابلة لمزيد من الاصطفافات التنظيمية التي تجعل منها أقطابا صلبة وإستراتيجية هامة لحث المشهد السياسي المغربي عن الانسجام والابتعاد عن الصراع.

ولهذا، لا بد من ضرورة المرور إلى الاقتراع في دورتين كيفما كانت تكلفته السياسية والمالية لأنه وحده الكفيل بإعادة ترتيب الخارطة السياسية المغربية على أسس جديدة، وجعل الانتخابات أكثر مصداقية وفعالية. إن الاقتراع في دورتين من شأنه أن يدفع الأحزاب الصغرى إلى الالتحاق الطوعي بالأحزاب الكبرى وإلى تجميع أصوات الناخبين في أغلبيات شرعية ويألون واضحة والحصول على مجالس بعناوين عريضة وليس على جماعات بألوان الطيف وصراعات دائمة.

بإمكانك نشر تعليقك فورا! تسجيل

1800 ‎حرفا متبقيا (أقصاها 1800 حرف)

المرجو إدخال الأرقام
Button

آراء أخرى

أنباء من مغاربية