المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، طريقة جديدة للتفكير في التنمية

Abdelaziz_karraky-250 من: عبد العزيز قراقي

100602-zawaya-photo

تعتبر المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بمثابة وصول الدولة إلى الوعي بعجز النموذج التنموي الذي كان سائدا لفترات طويلة، بحيث لم يعد قادرا على تلبية الحاجيات المتزايدة والمتنوعة لفئات واسعة من المواطنين، و من تم بروز عدد من الظواهر الاجتماعية التي بات من الضروري مواجهتها بأساليب تعتبر التنمية مدخلها الأساسي. فما هي أبرز معالم هذا النموذج الجديد:

أولا: اعتماد منهجية جديدة في مقاربة المشاكل، عبر اللجوء إلى المقاربة التشاركية، التي تعتبر المواطن هو الفاعل الأساسي في عملية التنمية، ومن تم فهو الوحيد القادر على معرفة حاجياته وتحديدها بدقة متناهية، من خلال تشخيص اجتماعي تشاركي منفتح على مختلف مناهج العلوم الاجتماعية، قادر على تحديد الأولويات الأساسية التي تتطلب تدخلا عاجلا، ويرصد حجم بعض الظواهر الاجتماعية ويمكن من الحصول على مؤشرات من خلالها يمكن تقييم عملية التنمية من الناحية الكمية.

ثانيا: اعتماد الإلتقائية في السياسات العمومية، لكون النموذج التنموي القطاعي لم يعد قادرا على مواجهة مختلف التحديات التي باتت تواجه الدولة والمجتمع، ولم يبق من الممكن أن يخطط كل قطاع لوحده، فبناء مدرسة مثلا لم يعد يراد منه توفير فضاء للتدريس يبقى معطلا بعد انصراف التلاميذ، بل أصبح متعدد الاستعمالات، تستفيد منه قطاعات و فئات متعددة، وباتت أدواره تتعدى التعليم لتشمل عمليات التكوين و التحسيس والتنشيط والترفيه، وبدوره يستفيد الفضاء المدرسي من تعدد المتدخلين، الذي يجلب للتلاميذ والمدرسين ظروفا مريحة، ووسائل ضرورية كانت المؤسسة التعليمية تفتقر إليها.

ثالثا: قيام المجتمع المدني بدور الشريك يساهم إلى جانب مختلف مؤسسات الدولة في عملية التنمية، سواء على مستوى التمويل أو على مستوى تدبير عدد من المشاريع الاقتصادية والاجتماعية، بل الأكثر من هذا قد توكل إليه مهمة القيام بتشخيص الحاجيات، بحثا عن انخراط السكان بشكل كبير في مسار التنمية، وبذلك يتم ضمان انخراط المواطن وحضوره في جميع مراحل الإنجاز،مما يفرز نوعا من تملك المشاريع.

رابعا: نهج سياسة القرب، وذلك عبر إطلاق عدد من المشاريع الصغيرة، ولكن ذات التأثير المضاعف على الساكنة، لكونها تمس مناحي متعددة من حياتهم اليومية، ذلك أن عملية التشخيص خلصت في الكثير من المناطق إلى أن الأولويات لدى الساكنة ليست هي دائما ما يتصوره المسؤول الموجود في العاصمة بل قد تكون أمورا بسيطة وسهلة التحقيق يساعد توفيرها على خلق جوا من الراحة، والشعور بالاطمئنان.

إن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية تعتبر نوعا من التخطيط الاستراتيجي، الذي تتم مراجعته باستمرار قصد تكييفه مع مختلف المتغيرات، و الذي يجعل الدولة منفتحة بشكل كبير على المجتمع، عن طريق اقترابها من المواطن، والإنصات المستمر له، وهي بقدر ما تخلق جوا من الثقة بين مختلف الفاعلين، بقدر ما تخفف العبء على الفاعل العمومي في تحمل أعباء التنمية.

تعليقاتك

comments

مجهول حوالي سن مضتة

الحديث عن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية حديث شيق، ولكن ما يجب ن نعرفه عنها هو النقط السلبية التي أفرزها هذا المسار كي تتجنب الدول المغاربية الوقوع فيها، وكنت سأشكرك أكثر لو قدمت لنا في مقالك هذا بعض الممارسات السلبية المحيطة بتفعيل المبادرة، أما مقالك هذا فلا يقدم إلا النقط المضيئة فيها، وأظن أن تكملته بأمثلة حية من الممارسة من شأنه أن يغنيه أكثر.

comments

مجهول حوالي سن مضتة

تبرز التنمية البشرية اليوم، بصورة عامة، كمفهوم ديناميكي يضع الناس في قلب التنمية، كما ذكرتم في مقالكم، أستاذ. يتطلب أي برنامج تنموي تطبقه الدول المغاربية أو أي بلدان نامية، نظاما حكوميا شفافا ودقيقا وتشاركيا (كما ذكرتم) يقوم على سيادة القانون، وحماية الحقوق المدنية، والسياسية، والاقتصادية والاجتماعية؛ كما يعتمد على إدارة عامة كفؤة ومسؤولة عن أفعالها، وتسعى إلى إشراك الجميع في عمليات صنع القرار. ومن أجل ضمان نجاح السياسات الإنمائية في هذه البلدان التي تهدف إلى تحسين رفاه مواطنيها، فنحن بحاجة إلى حسن النية، وتدريب موظفي الخدمات ذات الصلة، والعدل في اختيار المشاريع الفردية والجماعية، وتنفيذ خطط رشيدة وفعالة للعمل. لا يمكن تطبيق كل هذا إلا من خلال الحكم الرشيد والأمن البشري، الأمر الذي يحتاج إلى الإصلاح السياسي الذي هو عنصر أساسي للتنمية في أوسع معانيها. وبما أن التنمية البشرية قضية اجتماعية حاسمة في مجال التنمية المستدامة، على كل من الصعيدين الوطني والدولي، وبغية تعميم هذا الدرس الذي ترك بصماته في تاريخ المغرب، فلابد من إيجاد طريقة لتسهيل التعاون المشترك بين المبادرات التي تقوم بها ليس فقط الجهات الفاعلة المحلية والوطنية كما قلتم، ولكن أيضا الأطراف الدولية الفاعلة التي تهتم بدعم عمليات التنمية المحلية في إطار السياسات الوطنية. مايا

comments

مجهول حوالي سن مضتة

أعتقد أنه لا توجد دولة في العالم العربي قد شهدت مثل هذه السياسة في المجال الاجتماعي من قبل، وسأقتصر على مجالين: الأول هو التقارب، والثاني هو دور المجتمع المدني، كما أشرتم إليه في مقالكم. لكن السؤال الذي أود طرحه هو: هل استطاع المغرب القضاء على الفقر بشكل نهائي بفضل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية؟ وما هو تأثيرها على التوازنات الاقتصادية الكلية؟

comments

مجهول حوالي سن مضتة

إن الحديث عن المجتمع المدني الذي ورد في مقالك أعتبره هاما، بل هو مدخل حقيقي لتقدم المجتمعات العربية، لا أستطيع أن أعرف مختلف الأدوار التي يقوم بها المجتمع المدني في الدول المغاربية برمتها ولكن أعتقد أنه طالما لم يتم تأهيل المجتمع المدني للعب أدوار طلائعية في الدول المغاربية فإن التنمية ستبقى من اختصاص الدولة لوحدها في حين أن التقدم الحقيقي بالنسبة لعدد من التجارب العالمية لعب فيه المجتمع المدني دورا حاسما، و جدير بالذكر أن المجتمع المدني هو الذي عادة ما يقوم بمراقبة السلطة ويستطيع أن يردها إلى جادة الصواب في حالة ما مارست شططا على المجتمع، ولهذا ففي رأيي من بين مؤشرات التنمية التي يمكن الاعتماد عليها في تقييم المبادرة الوطنية للتنمية البشرية هو الأدوار التي لعبها المجتمع المدني قبل المبادرة خاصة على مستوى الإبداع في المجال التنموي ثم بعد ذلك قياس حجم التغيير الذي حدث بعد إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بالمغرب، عند معرفة ذلك بدقة يمكن القول بأن التجربة يمكن نقلها إلى مناطق أخرى بالمغرب العربي بل وفي كل الدول العربية. ويمكن بعدها فقط القول بأن هناك دروس وتجارب يمكن نقلها إلى دول أخرى
المكي بن الشيخ

comments

مجهول حوالي سن مضتة

في الحقيقة إن الحديث عن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية هو أمر جيد خاصة بعد مرور خمس سنوات سمحت الآن بالتقييم، وإدراك ما يمكن تجنبه في المستقبل، و للموضوعية فقط يمكن القول بأن ما أحدثته المبادرة من ديناميكية بين مختلف الفاعلين هو أمر واضح ولكنه لازال لم يرق إلى حد التفعيل الكلي، لأسباب متعددة يضيق المجال عن ذكرها كاملة هنا، ولكنني أريد أن أتوقف عند التشخيص كآلية مساعدة على تحديد الأولويات، وانطلاقا مما أعرفه فإن ما يقصد به اليوم بالتشخيص هو أمر بعيد كل البعد عن هذه المقاربة العلمية ويمكن اعتباره بمثابة انطباعات فقط لبعض الفاعلين و المسؤولين انطلاقا من اعتقادهم بأن السكان لا يعرفون حاجياتهم بأنفسهم، ولعل بناء التنمية بتصورات مثل هذه، يمكن أن يفقد أية مبادرة معناها، لذا فأظن أن الدرس الذي يجب أن يقدم إلى الجميع ليس في المغرب فقط ولكن في جميع الدول المغاربية ، هو ضرورة التأكيد على إشراك الساكنة في تحديد الحاجيات عبر بحوث ميدانية تجرى وفق مقاربة علمية مضبوطة.
حمودة البيضاوي

comments

مجهول 5 أيام مضت

حقيقة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية قفزة نوعية جيدة مميزة لكن الشركاء بالأخص جمعيات المجتمع المدني تسلط المصلحيون منهم و أبخسوا العمل ككل …
هل هناك من حل ضد تصرفات بعض الجمعيات التي تريد إفساد الأمر فقط

بإمكانك نشر تعليقك فورا! تسجيل

1800 ‎حرفا متبقيا (أقصاها 1800 حرف)

المرجو إدخال الأرقام
Button

آراء أخرى

أنباء من مغاربية