من: سعيد لكحل

يمثل علماء الدين، عادة، الجهة المؤتَمَنة على حماية العقائد الدينية في مجتمعاتهم من كل تحريف أو تدليس . فضلا عن كونهم الجهة الوحيدة التي يلجأ إليها الناس لمعرفة أمور دينهم.
وهذا الدور بدأ يضعف تدريجيا لما اعتمدت الأنظمة السياسية، في عموم العالم العربي وضمنه الدول المغاربية، تكتيك احتضان التيارات الدينية الخارجة على المذهب المالكي لمواجهة التنظيمات القومية واليسارية. حينها نشأ جيل جديد من الشيوخ والفقهاء المتشبعين بفقه التكفير والتحريض على الجهاد، وهم الذين اعتلوا منابر المساجد، خاصة مع ما سمي بالجهاد الأفغاني ضد السوفييت. ذلك أن المؤسسات الدينية العريقة في كل من تونس والمغرب مثلا (القرويين والزيتونة) لم تنتج علماء تكفيريين يناهضون الديمقراطية والحداثة، بل ساهمت في بلورة وعي وطني تواق إلى الحرية والتقدم بفضل قيم الانفتاح والتسامح التي تغرسها في نفوس المواطنين.
وظلت هذه المؤسسات الدينية حريصة على تقوية أواصر الأخوة والوحدة بين الشعوب المغاربية. لكن النهج الذي تبنته الأنظمة السياسية بين ستينيات وثمانينيات القرن العشرين أفسد صفاء العقائد وضمائر الشباب الذين أصبحوا ضحايا الغلو والتشدد وتحولوا إلى معاول الهدم وقنابل التفجير.
وما تعرفه المنطقة المغاربية من أحداث إرهابية متواصلة، خاصة في الجزائر والصحراء على الحدود الموريتانية ــ المالية، هو نتيجة حتمية لانتشار فقه التطرف. وإذا كانت الأنظمة السياسية تتحمل مسئوليتها في تردي الأمن الروحي بالمنطقة، فإن العلماء والفقهاء لهم قدر من المسئولية لمّا تراجعوا عن دورهم في حماية العقيدة وتركوا الساحة الدينية فارغة ليملأها المتطرفون الذين أفسدوا على الناس دينهم ومزقوا وحدتهم المذهبية.
إن مسئولية العلماء ثابتة في سكوتهم عن فتاوى التكفير والتحريض على قتل الأبرياء باسم الجهاد التي كان المتطرفون يلقونها في خطب الجمعة ودروس الوعظ وعبر الأشرطة والأقراص المدمجة والكتب التي غزت المكتبات والأكشاك والأسواق. فحيثما توجه المواطن العادي إلا وحاصرته هذه الفتاوى حتى في وسائل النقل العمومية. طيلة العقود الثلاثة الأخيرة لم يبادر العلماء إلى تفعيل هيئاتهم العلمية وتحريضها على مواجهة الغزو المذهبي والفقهي.
ففي المغرب مثلا للعلماء هيئات علمية متعددة ظلت صامتة أمام الزحف السلفي التكفيري، ولم تتحرك إلا عقب الأحداث الإرهابية ليلة 16 ماي 2003 بالدار البيضاء وبعد التدخل المباشر للملك الذي قرر إعادة هيكلة الحقل الديني وتفعيل مؤسساته بما يصون وحدة المذهب المالكي. وأمام الخطر الذي أصبحت تشكله التنظيمات المتطرفة، سواء المنتمية لتنظيم القاعدة أو المتعاطفة معه، فإن المطلوب من الدول المغاربية التي يريد تنظيم القاعدة أن يجعل منها قاعدته الخلفية لتوسيع عملياته في شمال إفريقيا ودول الساحل، أن تكثف جهودها على مختلف الأصعدة، خاصة الأمنية، العسكرية، الاستخباراتية ثم الدينية. ذلك أن الإرهاب هو ناتج عن عقائد التطرف ، ولا يمكن النجاح في مواجهته باعتماد المقاربة الأمنية وحدها.
فالعقائد لا يمكن اعتقالها باعتقال حامليها. لهذا يظل النجاح الأمني في التصدي للإرهاب محدودا زمنيا، الأمر الذي يستوجب تكاثف الجهود.
ولعل الاجتماع الذي انعقد بفاس يدخل في إطار تأسيس هيئة للعلماء بالمغرب العربي غايتها التنسيق وتوحيد الجهود لمواجهة التطرف والإرهاب. إلا أن نتائج عمل هذه الهيئة ــ إذا كُتب لها التأسيس ــ ستظل محدودة إن لم تكن منعدمة بفعل العراقيل السياسية التي تواجه أي عمل مغاربي مشترك. لأن النزاع السياسي بين المغرب والجزائر حول الصحراء المغربية يلقي بظلاله على باقي مجالات التعاون. فحتى الهيئات الدينية المشتركة بين المغرب والجزائر أصابها الشلل ومهددة بالانشقاق كما هو حال الطريقة التيجانية والطريقة العلاوية الشاذلية.
لهذا لا يمكن عقد آمال كبيرة على هيئة علمية يتوقف عملها ونشاطها على مدى التفاهم والتنسيق بين الحكومات المغاربية. فحتى لو افترضنا رغبة العلماء في العمل المشترك لإصلاح الخطاب الديني وتحديثه بما يستجيب لحاجيات الشعوب المغاربية ويقدم لها غذاءها الروحي المنسجم مع هويتها الثقافية والمذهبية، فإن العامل السياسي يظل العنصر الحاسم في التوفيق أو الإخفاق، لأنه القاطرة التي إن تحركت شملت حركتها كل المجالات، وإن توقفت أصاب الجمود كل مفاصل الهيئات المشتَرَكة بما فيها “اتحاد المغرب العربي” الذي غدا إطارا مشلولا بدون روح ولا حركة. فالدين يجمع والسياسة تفرق.
استضافت مدينة القيروان المقدسة، في تونس، ندوة مغاربية حول المذهب… مزيد
رغم أن المذهب المالكي شكل على مر التاريخ المرجعية الدينية… مزيد
لقد جاءت محاولة الوحدة المذهبية التي قام بها لفيف من… مزيد