دور العالمات يتأثر بمدى هيمنة ثقافة الذكورة وفقه البداوة

Said_lakhal من: سعيد لكحل

100224-zawaya-photo

إن الحديث عن دور النساء العالمات والفقيهات في العالم الإسلامي يقتضي استحضار العوامل السوسيو ثقافية والسياسية التي ميزت كل حقبة من تاريخ المسلمين. إذ لا خلاف بين المؤرخين وكتاب السير حول المكانة المتميزة التي احتلتها النساء الفقيهات خلال العهود الأولى للدولة الإسلامية، حيث اعتلت المرأة كرسي الحديث والرواية والإفتاء في حضور كبار الفقهاء والأئمة.

وقد مهد لهذا الدور النسائي في مجال الفقه والإفتاء تولي نساء الرسول محمد (ص) مهمة الرواية عن النبي وشرح ما التبس على الصحابة أو استشكل عليهم فيما يتعلق بالسيرة النبوي لأنهن ــ نساء النبي ــ كن الأقرب إليه. بل إن الرسول (ص) أوصى المسلمين والصحابة بأخذ نصف الدين عن السيدة عائشة.

إن هذا الاعتبار المتميز للمرأة في شخص أمهات المؤمنين وعموم الصحابيات الذي تشكل لدى المسلمين الأوائل، فتح المجال أمام النساء العالمات للانخراط في حركية المجتمع والتصدي للقضايا والنوازل بالإفتاء والاجتهاد. لكن خلال ما عُرِفَ بعصر الانحطاط، ابتداء من القرن الرابع الهجري، ساد الجمود الفكري والتحجر الفقهي وطغت الفتاوى التي تبخس النساء وتُقبِر قدراتهن الفكرية عبْر اجتهادات فقهية تستند إلى الموروث الثقافي والأعراف الاجتماعية التي جبّها الإسلام.

ولعل انتشار الأمية بالنسب الفظيعة في صفوف النساء هو نتيجة مباشرة للتبخيس والتحقير اللذين تعاني منهما المرأة في العالم الإسلامي. وإذا كان المشرق العربي قد عرف نهضة نسائية مع رواد تحرير المرأة في مصر على وجه الخصوص، ليمتد إشعاعها إلى باقي أرجاء العالم الإسلامي، فإن حالة الردة الحضارية التي تعرفها مصر بسبب تنامي المد الأصولي والسلفي الوهابي، باتت تشكل أكبر تهديد للمكتسبات الحقوقية والثقافية التي راكمتها المرأة، بدليل الهجمة الشرسة التي تتعرض لها حقوق النساء، والمناهضة الشديدة التي تواجَه بها إجراءات الدولة ــ على بساطتها ــ من أجل إدماج المرأة في سلك القضاء أو الإرشاد الديني. وكان آخر إجراء ضد المرأة في مصر رفض مجلس الدولة تعيين امرأة قاضية بين صفوفه.

وبالقدر التي تعرف فيه حقوق المرأة ووضعيتها
انتكاسات متتالية في المشرق العربي، نجد أن وضعية النساء في المغرب العربي، وخاصة المغرب، تشهد نهضة حقوقية وثقافية متميزة نتيجة تضافر عاملين رئيسيين :

العامل الأول : اتساع وفعالية الحركة الحقوقية التي تركز جهودها على إصلاح أوضاع النساء .

العامل الثاني : الانخراط الجدّي والفعال للملك في هذه الحركة الحقوقية وتبنيه مطالبها، حيث أثمرت جهود الملك والحركة النسائية إصدار مدونة الأسرة وعدد من القوانين التي تمنح للمرأة حقوقا أكثر (منح جنسيتها لأبنائها من زواج مختلط، رفع التحفظات عن اتفاقية القضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة ..).

والمفارقة التي ينبغي إثارتها هنا تتعلق بموقف الدول وقناعة الأنظمة السياسية في كل من المشرق العربي ومغربه. إذ في الوقت الذي تنحاز الدولة ونظامها السياسي إلى طروحات الأصوليين والسلفيين الوهابيين التي تستهدف حقوق النساء، نجد في المغرب مثلا وفي تونس انتصار الدولة ونظامها السياسي لحقوق المرأة وتحصينها بسلسلة من القوانين والمبادرات التي تضمن انخراط المرأة في عملية التحديث والإصلاح التي يعرفها المجتمع والدولة معا. وفي هذا الإطار كان قرار ملك المغرب تعيين نساء عضوات في المجلس العلمي الأعلى وكذا المجالس العلمية في الأقاليم ومرشدات دينيات، بدافع الحرص على إنصاف المرأة ومساواتها مع الرجل، وفق ما جاء في خطاب للملك.

ولا شك أن الأعراف الاجتماعية في المغرب وثقافة الانفتاح التي تَشبّع بها المغاربة على مر العصور بفعل التفاعل الحضاري مع مختلف الشعوب والثقافات التي احتكوا بها بفعل عوامل تاريخية متعددة، خلقت ذهنية ترفض وأد النساء وتقْبـَل ــ بسُهُولة ــ بكل المبادرات والقوانين التي تضمن حقوقا أكثر للمرأة وتساويها مع الرجل في الحقوق السياسية والمدنية والدينية. ولم تعرف مطالب المرأة رفضا ومناهضة إلا من طرف التيار الأصولي المتشبع بفقه البداوة والمتأثر بأطروحات الإخوان المسلمين في مصر والتيار السلفي الوهابي في السعودية. لهذا، ومن أجل ضمان انخراط المرأة في عملية الإصلاح الديني، يقتضي الأمر توافر شروط أساسية أهمها:

1: وجود تيار سياسي/حقوقي فاعل يدعم مطالب النساء ويحميها ضد الهجمة الأصولية.

2: توفر الإرادة السياسية لدى الدولة لتبني خطاب الإصلاح الديني بما ينسجم مع المطالب الحقوقية للنساء. ومن شأن هذا الانفتاح أن يشجع على اجتهادات فقهية متنورة تحرر العقول من وصاية السَّلف وقدسية النصوص.

3: وجود رغبة حقيقية لدى النساء لاقتحام مجال الاجتهاد وإغنائه بآراء فقهية تترجم القراءة النسائية للنصوص الدينية بما تضفي مشروعية على مطالبهن وطموحاتهن.

بإمكانك نشر تعليقك فورا! تسجيل

1800 ‎حرفا متبقيا (أقصاها 1800 حرف)

المرجو إدخال الأرقام
Button

آراء أخرى

أنباء من مغاربية