من: ادريـس قـصـوري
بغض النظر عن كون قيمة اللغة تتحدد بعدة عوامل مثل الحجم الديمغرافي للمتصلين بها، ومحتواها، وظروف استعمالها، يظهر المثل أعلاه الأهمية الأساسية لامتلاك ناصية اللغات. فأهمية اللغة أصبحت مستمدة من الحاجة الفعلية والعرض والطلب في السوق الدولية للغات الأجنبية المفيدة. فاللغة توسع نطاق فعل الإنسان وتعد أداة للنجاح في مجالات الحياة كلها، وامتلاكها هو رأسمال ربح رهان الحياة.
إنه بمثابة عملة استثمار وسيولة تطوير الفعل وتحسين خدمات لدى الأفراد والمؤسسات والمجتمعات لأنها تتيح فرصا أكثر وأفضل.
لقد أصبح تدريس وتعلم اللغات الأجنبية ذات القيمة الرائجة في السوق الدولية للغات مسألة حيوية مضمونة المنفعة وذات مكتسبات عالية بالنسبة للقوى العاملة خاصة، إذ تمكن من إقامة علاقات وتفاعلات مفيدة اقتصاديا.
فالمتطلبات الوظيفية والتفاضل الوظيفي للاتصال الحديث في التكنولوجيا والإدارة والتجارة يتطلب قدرات لغوية متنوعة تفي بأغراض عديدة وتعمل على تجويد الأداء والعمليات. فلا يجب أن يظل مشكل اللغة عائقا أمام التحسين المستمر للعمل وخصوصا اللغات المفيدة ذات القيمة التبادلية والاقتصادية التابعة لقوة دولها. فالمهارة اللغوية ترفع من جدارة الأداء وتزيد من القدرة التنافسية والتحكم في أدوات لغوية كافية للغات متنوعة مضمونة المنفعة للقوى العاملة في عصر المعلومات.
وعموما، يلزم التذكر دوما أن الكفاءة الاقتصادية مرتبطة بالكفاءة الاتصالية المرتبطة هي الأخرى بالكفاءة اللغوية خصوصا خارج الحدود اللغوية الأصلية حيث تعتبر اللغة عنصرا تفضيليا وليس عاديا.
وهذه التحديات الاقتصادية واللغوية لا تتعارض مع صياغة سياسة ثقافية وقائية وتنموية رشيدة كفيلة بالحفاظ على الثقافة الاجتماعية والإنسانية عامة وللدول المغاربية خاصة نظرا لما يجمعها من عوامل مشتركة كثيرة.
إن الحفاظ على الخصوصية الثقافية يكمن في العناية بالدين والتراث والآداب والفنون مكتوبة وشفهية كمكونات أصلية متأصلة في الذات والوجدان وليست ترفا زائدا أو ثانويا. وهذا يتطلب التمسك بجعل اللغات الأم واللهجات وطرق التعبير المختلفة والأجناس الأدبية والإبداعية تقوم بوظائفها التواصلية الفنية والجمالية والتخييلية والحفاظ عليها كأنواع وأنماط تعبيرية عالية متجذرة في الكيان والنفس وذات حضور قوي ومتنوع في العادات والتقاليد الأصلية التي تهذب الذوق وترفع الوعي والإدراك وتسموا بالأنا والسلوك نحو المشترك الوجداني والتاريخي والحضاري.
بيد، إن مهمة الدول المغاربية ليست أعسر من غيرها من الدول المتنافرة إثنيا والمتناثرة جغرافيا، حيث يسهل الحفاظ على اللغات المحلية وقيم التعبير القومية كأدوات ورموز وأشكال ثقافية لا غنى عنها لجميع المواطنين مع الحد من التمييز التفاضلي بين اللغات الاقتصادية واللغات الأم والعمل على تعميق الإحساس بالانتماء الوطني والقومي عوض تشجيع الانسلاخ والتغريب. فاللغات المحلية ذات طابع إنساني ثقافي مميز يحفز على المشاركة الوجدانية التي تعطيها طابعها الحقيقي في انتظار إثبات قوتها الاقتصادية المرتبطة بقوة الدول. ومن ثمة، يلزم التركيز على السياق الاجتماعي الداخلي لهذه البلدان ورد الاعتبار إليه عبر بلورة وإغناء العناصر المشتركة للمواطنين في وجه إعصار التخاطب النفعي الجاف والفج.
ولعل استلهام مكونات الذاكرة في التعليم والثقافة بشتى الأشكال والأنشطة والفضاءات بعمقها وحيويتها وبساطتها ودون إيغال في التفكير العقلاني والعلمي الدقيق أو التوظيف التجاري الصرف يشكل حصنا متينا أمام كل تخوف استيلابي أو غزو استعلائي وافد.
استجابة لطلب القراء، بامكانكم التعليق بدون التسجيل في الموقع
تعليقاتك
commentsمجهول من حوال أيام 19 تقريباً
جيد جدا.
بلاغ إساءة